اليوم: الأحد8 ربيع الأول 1442هـ الموافق: 25 اكتوبر 2020

أنسة الإنسان في مقابل الغرائزيّة المتوحّشة

حوار مع:العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله(رض)

حاوره:وفداً طلابياً من جامعات لندن

بتاريخ 6 أيلول من العام 2000 م، استقبل سماحة العلّامة المرجع السيّد محمّد حسين فضل الله (رض) وفداً طلابياً من جامعات لندن، وكان حوار بينه وبينهم حول العديد من العناوين، منها علاقة الدّين بالسياسة، وعلاقة الإنسان بالله، ودور المرأة في الإسلام...

وفيما يلي نصّ الأسئلة وجواب سماحته عنها:

***

أنسنة الإنسان

س: نحن نعرف أنّكم مسؤولون عن مشاريع إنسانيّة اجتماعيّة كبيرة جداً في هذا البلد، ونحن نشكر الله لهذا العمل الإنساني الكبير لسماحتكم وللقيّمين عليه.

هنا أحبّ أن أطرح سؤالاً: ما هي الحاجة الإنسانيّة الأعمق والأهمّ التي تراها سماحتكم في بلدنا؟

ج: أرى أنّ الحاجة الأساسيّة هي أنسنة الإنسان، قد يكون التّعبير غامضاً، ولكن في الواقع، إن السياسة المتّبعة ـ ولا أقصد السياسة السياسيّة فقط ـ توحشن الإنسان وتجعله يتحرّك غرائزياً، وهذا ما عشناه في المعركة الانتخابيّة، حيث كانت الغرائزيّة الطائفيّة هي سيّدة صناديق الاقتراع؛ هذا أبو هذه الطائفة، وذاك أبو تلك الطّائفة، وهذا زعيم السنّة أو الشّيعة أو الموارنة.. هناك عمليّة إنتاج للغرائزية الطائفية بطريقة وحشيّة تنعكس على العناصر الشعورية لعلاقة الإنسان بالإنسان. صحيح أن لدينا مشكلة اقتصادية، ولكن الجانب الأخلاقي الذي يحكم واقع الإنسان اللّبناني في اعترافه بإنسانيّة الآخر، في اعترافه بأنّه يجب أن يعيش في دولة يحفظها ويحفظ قوانينها وأنظمتها، هذه هي المشكلة.. لو أنّ المشكلة تقتصر على أنّ هناك مجرّد أناس يجوعون، فالمشكلة لها حلّ.

علاقة الدّين بالسياسة

س: كيف ترى العلاقة بين الدين والسياسة؟ وكيف ترى دور المرأة في الإسلام؟

ج: أمّا العلاقة بين الدين والسياسة، فنحن نعتبر أنّ السياسة في قلب الدّين، والسبب هو أنّ هناك آية قرآنيّة تؤكّد أنّ الأديان انطلقت لإقامة العدل {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[الحديد: 25].

فمنذ الانطلاقة الأولى للدّين حتى الآن، إنما انطلق لتحقيق العدل في الحياة، ولا عدل بدون سياسة، لأنّ عدل الحاكم عدل القانون.

ومن الطبيعي أنّنا نقصد بالسياسة إدارة أمور النّاس بما يحفظ لكلّ إنسان حقّه، لأنّ العدل هو إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وليس المراد من السياسة اللّعب على مشاعر النّاس وعواطفهم بالكذب والنّفاق، ولدينا شعار أنّ الدّين جاء لخدمة الإنسان، ولم يأتِ الإنسان لخدمة الدّين، ولا يمكن أن نخدم الإنسان بالدّين، إلا إذا تحرّك الدّين من أجل أن يحقِّق القيم الإنسانيّة في الواقع.

تكاملٌ في الأدوار

أمَّا موقف الإسلام من المرأة، فالمرأة إنسانة كما الرَّجل إنسان، ولها حقوقها الإنسانيّة كإنسانٍ مسؤول في الحياة، كما للرَّجل حقوقه الإنسانيّة كإنسان مسؤول في الحياة. ولذلك، من حقِّ المرأة أن تتعلَّم وأن تعمل وتشارك في العمليَّة الانتخابيَّة، أن تكون ناخبة، وأن تكون منتخَبة أو مسؤولة في الدّولة، كما من حقّ الرّجل ذلك.

 وإذا كان الإسلام يفرض على المرأة برنامجاً أخلاقياً، فهو البرنامج الأخلاقي نفسه الذي يفرضه على الرّجل.. في الحياة الزوجيّة، هناك شيء من توزيع الأدوار بين الرّجل والمرأة، وهذا الذي يجعل دور المرأة يختلف عن دور الرّجل، باعتبار خصوصيّاتها البيولوجيّة وما إلى ذلك من خلال تكوين الأسرة. الإنسان رجل وامرأة، ولكلّ منهما دور، وهما يتكاملان في عمليّة بناء الإنسانيّة، وكما يتكاملان في إنتاج الإنسان الجسد، فهما يتكاملان في إنتاج الإنسان الفكر والرّوح والقلب والحياة.. ولم يفرّق الله بين عمل الرَّجل وعمل المرأة، فقد تكون المرأة أفضل من الرَّجل في عملها الذي يقرّبها من الله، وقد يكون الرَّجل أفضل، وربما يتساويان.

هل ذلك من الإسلام؟!

لو أتيح لسماحتكم مخاطبة بعض الأشخاص الّذين يشغلون بعض المواقع باسم الإسلام، ويمنعون المرأة من أن تدرس، أو حتى من الذَّهاب إلى المدرسة باسم الإسلام؟

ج: إنّ الإسلام يقول إنّ العلم قيمة إسلاميّة إنسانيّة، "طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة" {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}[الزمر: 9] {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}[طه: 114]. لذلك نحن نقول، من حقّ المرأة أن تتعلّم، كما من حقّ الرّجل أن يتعلّم، ومن حقّها أن تعمل في مناخٍ يحفظ لها إنسانيَّتها وأخلاقيَّتها، تماماً كما يطلب من الرَّجل أن يتعلَّم في مناخ يحفظ له إنسانيَّته وأخلاقيَّته.. مشكلة بعض النّاس أنهم لا يتصوَّرون المرأة إلا من جانب الجنس، لذلك فالهاجس عندهم في دخول المرأة إلى أيِّ مجتمع، هو الخوف من أن تكون ضحيَّة جنسيَّة. ولكنّنا نعتقد أنّ المرأة تملك بنياناً أخلاقيّاً يمكّنها من أن تحفظ نفسها في أيّ مكان تكون فيه. المسألة ليست موقع المرأة في هذا المكان أو ذاك المكان، ولكنَّ المسألة هي البنيان الدّاخلي للمرأة في احترامها لنفسها ولأخلاقيَّتها ولعفَّتها ولدينها.

هل هو خوف فطريّ؟!

س: سماحتكم قلتم إنّنا فطريّاً نتّجه إلى الله، هل تعتقد أنّنا فطريّاً نخاف من الله عندما نكون بعيدين عنه؟

ج: الخوف على قسمين؛ هناك خوف يتَّصل بالطبيعة القاسية الوحشيّة لمن تخاف منه، وآخر ينطلق من خلال عدم قيام الإنسان بالمسؤوليّة التي يتحمَّلها أمام الذي فرض عليه المسؤوليّة لمصلحته ولمصلحة النظام العام.

نحن نخاف من الله، وهو الرّحمن الرّحيم، وهو الذي يحبّنا، ولهذا حمّلنا المسؤوليّة لمحبّته لنا.. نحن عندما نعصي الله وننحرف عن المسؤوليَّة، فالله يغضب علينا لمصلحتنا، لأنّنا أسأنا إلى أنفسنا ولم نسىء إليه، لأنّه لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه.

نعطي مثالاً: عندما يكون النّاس، سواء الرجال أو النساء، يحبّون بعضهم بعضاً، كالفتاة عندما يكون عندها حبيب، والشابّ كذلك عندما يكون عنده حبيبة.. الإنسان في بعض الحالات عندما يؤذي حبيبه، يشعر بأنّه سيفقد محبّته، يخاف.. الإنسان الحبيب يحبّ دائماً أن يستجيب لرغبات حبيبه، لأنّه إذا لم يستجب له، يفقد محبّته، وفقدان المحبّة بين المتحابّين كارثة لمن يحبّ. لذلك، نحن عندما لا نطيع الله الذي أحبّنا فأوجدنا، وأحبّنا فأنعم علينا، وأحبَّنا فرعانا، نخاف فقدان محبَّته، وفقدان محبَّة الله هي التي تشعر الإنسان بالضَّياع في الحياة، ولهذا فالقضيَّة ترجع إلينا وليس إلى الله.

س: هل الإنسان يشعر فطريّاً بحاجة إلى الله عندما لا يعود لديه أيّ ملجأ؟ وهل الخوف من الله مسألة فطريّة؟

ج: الإنسان عندما يدرك وجود الله بما يجعله يمتلىء بمعنى الله، يحبّ الله.. الله أعطانا الوجود، أعطانا النِّعمة، أعطانا الأفق الواسع، إذاً نحن نخافه لأنّه الحقيقة، ولأننا نحبّه، وعندما نحبّه نخافه، لأنّنا نخاف أن نفقد حبّه، لا نخاف قسوته، فهو الرّحمن الرّحيم.

الله يحبّنا ولا يسقطنا

س: حاجتنا إلى الله أحياناً تكون الدّافع والأداة لتمرّدنا، هل الخوف من اللامسؤوليّة يؤدّي إلى البعد عن الله؟

ج: خوفنا يقرّبنا إلى الله أكثر، وذلك عندما أخاف ممن حياتي متعلّقة به، عندما أخاف أن أفقد الحياة، أي أن أفقد هذه الرّعاية الحياتيّة عندما أبتعد عن الله، أخاف عندما أبتعد عن محبوبي، عندما أفقد هذه المشاعر الحميمة مع المحبوب.. الخوف ينطلق من حالة الإنسان الوجدانيّة عندما يحبّ ولمن يحبّ، ولا ينطلق من حالة قهر وحالة إسقاط.. الله لا يسقطنا، لا يقهرنا، ولكنّه يحبّنا، ولأنّه يحبّنا ينظّمنا، ويرسم لنا الخطوط التي تحفظ حياتنا وتحفظ علاقتنا معه.

* المصدر: لقاء سماحته مع طلاب من لندن، 6 أيلول 2000م.

مقابلات أخرى لنفس المحاور

تعليقات القرّاء

ملاحظة: التعليقات المنشورة لا تعبّر عن رأي الموقع وإنّما تعبر عن رأي أصحابها

أكتب تعليقك

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو الأشخاص أو المقدسات. الإبتعاد عن التحريض الطائفي و المذهبي.

<
  • تحويل هجري / ميلادي
  • المواقيت الشرعية
  • إتجاه القبلة
  • مناسبات
  • إتجاه القبلة
تويتر يحذف حساب عهد التميمي تويتر يحذف حساب عهد التميمي الاحتلال يعتقل 3 فتية من الخليل الشيخ عكرمة صبري: من يفرط في القدس يفرط في مكة والمدينة شيخ الأزهر يؤكد أهمية تدريس القضية الفلسطينية في مقرر دراسي حماس تدين جريمة كنيسة مارمينا في القاهرة الهيئة الإسلامية المسيحية: الاعتداء على كنيسة حلوان إرهاب يجب اجتثاثه الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء الحكم على محمد مرسي بالحبس 3 سنوات بتهمة إهانة القضاء منظمات أممية تدعو لوقف الحرب في اليمن داعش تتبنى هجوم الأربعاء على متجر بسان بطرسبورغ الميادين: مسيرات حاشدة في مدن إيرانية رفضاً للتدخل الخارجي بالبلاد بنغلاديش تستعد لترحيل 100 ألف لاجئ من الروهينغا إلى ميانمار فى يناير/ كانون الثاني وزير ألماني محلي يدعو للسماح للمدرسات المسلمات بارتداء الحجاب صحيفة أمريكية: الولايات المتحدة تفكر فى قطع مساعدات مالية عن باكستان مقتل 3 عمال في إطلاق نار في ولاية تكساس الأميركية بوتين يوقع قانوناً لإنشاء مختبر وطني لمكافحة المنشطات مسلح يقتل عمدة مدينة بيتاتلان المكسيكية علماء يبتكرون لقاحاً ضد الإدمان على المخدرات منظمة الصحة العالمية: السكري سابع مسببات الوفاة في 2030 دراسة: تلوث الهواء يقتل 4.6 مليون شخص كل عام المشي 3 كيلومترات يومياً يحد من تدهور دماغ كبار السن ضعف العلاقات بين المهاجرين ندوة في بعلبكّ: دور الحوار في بناء المواطنة الفاعلة من دروس الحسن العسكريّ (ع): النّصيحة في السرّ خدماتي للمنظّمة.. هل تتعارض مع طاعة الله؟! استنكر حادثة قتل أستاذ التّاريخ في فرنسا هل حفظنا وصايا الرّسول (ص)؟! السّجالات دليل على استمرار المحاصصة مركز الإمامين الحسنين (ع) في برلين يحيي أربعينيّة الحسين (ع) بمسرحيّة ثورة الثّقفي: الثّأر من قتلة الحسين (ع) فضل الله: لبناء دولة تحترم إنسانها وحجرها وشجرها فضل الله: البلد لا يستطيع الانتظار طويلاً
يسمح إستخدام المواضيع من الموقع شرط ذكر المصدر